محمد بن جعفر الكتاني

232

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان - رحمه اللّه - إماما أوحدا ، علامة حافظا ، فذا مشاركا ، أديبا بليغا ، شيخ أهل البلاغة في العلوم العقلية والنقلية ، يضرب به المثل كتابة وشعرا وأدبا ، ومعرفة بسائر العلوم ، سيما علم التاريخ ؛ فإنه دخل بيده من كتبه وطالع منها ما لا يمكن أن يدخل إلا بيد ملك شامخ الملك . وقد قال القصار في بعض مقيداته : « وناهيك بابن الخطيب وابن خلدون في علم التاريخ ! » . وقال بعضهم : « ابن الخطيب حذام فيما يقول ! » . وكان - رحمه اللّه - مبتلى بداء الأرق ، ولا ينام من الليل إلا النزر اليسير جدا . وقد قال في كتابه " الوصول لحفظ الصحة في الفصول " : « العجب مني مع تأليفي لهذا الكتاب الذي لم يؤلف مثله في الطب ، وعملي لذلك ؛ لا أقدر على مداواة داء الأرق الذي بي » . أو كما قال . ولذا يقال له : ذو العمرين ؛ لأن الناس ينامون في الليل وهو ساهر فيه . ومؤلفاته ما كان يصنف غالبها إلا بالليل ؛ فانثنى له بذلك العمر . وقد كان بعض الرؤساء بالمغرب يقول : « لسان الدين ذو الوزارتين ، وذو العمرين ، وذو الميتتين ، وذو القبرين . . . » . وبيان كونه ذا الوزارتين : أنه كان وزير السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل الأنصاري الخزرجي بالأندلس ، ووزير ابنه محمد من بعده . ثم لما تغير ما بينهما ؛ فر منه إلى سلطان المغرب أبي فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني ؛ فقبله واستوزره ، وأحله من مجلسه محل الاصطفاء والقرب . وبيان كونه ذا الميتتين وذا القبرين : أنه خنق أولا فمات ، وأقبر ، ثم إنه أخرج من قبره وجعل به سبب الموت مرة ثانية ؛ وهو : الإحراق بالنار ، ثم أقبر مرة ثانية . فكان كأنما مات مرتين ، ودفن في قبرين . ألف - رحمه اللّه - تآليف كثيرة ؛ نحو الستين في كل فن ، وأكثرها في الأدب والتاريخ والطب . ومنها : " التاج المحلى في مساجلة القدح المعلى " في سفرين ، و " الكتيبة الكامنة في أدباء المائة الثامنة " ، و " الإكليل الزاهر فيما فضل عند نظم التاج من الجواهر " ، و " بستان الدول " ؛ كمل منه نحو من ثلاثين سفرا ، وكتاب : " الإحاطة بما تيسر من تاريخ غرناطة " في ثمانية أو تسعة أسفار « 1 » ، و " طرفة العصر في دولة بني نصر " في ثلاثة أسفار [ 188 ] ، و " الوصول لحفظ الصحة في الفصول " في سفر ، وديوان شعر في سفرين ، و " نفاضة الجراب في علالة الاغتراب " في أربعة أسفار ، و " ريحانة الكتاب ، ونجعة المنتاب " في ثمانية أسفار .

--> ( 1 ) خمسة عشر سفرا . كذا في " أزهار الرياض " . مؤلف .